ابو القاسم عبد الكريم القشيري
353
لطائف الإشارات
قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 54 ] رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 54 ) سدّ على كلّ أحد طريق معرفته بنفسه ليتعلّق كلّ قلبه بربه . وجعل العواقب على أربابها مشتبهة ، فقال « رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ » . ثم قدّم حديث الرحمة على حديث العذاب ، فقال : « إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ » وفي ذلك ترجّ للأمل أن يقوى . ويوصف العبد بالعلم ويوصف الربّ بالعلم ، ولكن العبد يعلم ظاهر حاله ، وعلم الرب يكون بحاله وبمآله ، ولهذا فالواجب على العبد أن يقول : أنا مؤمن إن شاء اللّه تعالى ، وهذا معنى : « إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ » بعد قوله : « أَعْلَمُ بِكُمْ » . قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 55 ] وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً ( 55 ) فضّل بعض الأنبياء على بعض في النبوة والدرجة ، وفي الرسالة واللطائف والخصائص . وجعل نبيّنا - صلى اللّه عليه وسلم - أفضلهم ؛ فهم كالنجوم وهو بينهم بدر ، وهم كالبدور وهو بينهم شمس ، وهم شموس وهو شمس الشموس . قوله جل ذكره : [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 56 ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً ( 56 ) استعينوا فيما يستقبلكم « 1 » بالأصنام التي عبدتموها من دون اللّه حتى تتحققوا أنه لا تنفعكم عبادة شئ من دون اللّه ، ولا يضركم ترك ذلك ، ولقد قيل في الخبر : « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » « 2 »
--> ( 1 ) أي ما يستقبلكم من البلايا ( 2 ) رواه أحمد وأبو يعلى والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ، وأحمد عن الحسين بن علي ؛ والعسكري عن علىّ ، وأوضحه الشيخان في تخريج الأربعين .